تنخرط المنظومة التربوية اليوم في دينامية تحول عميق، تستند إلى مجموعة من المرجعيات الاستراتيجية المهيكلة التي تجسد الإرادة الوطنية، المعبر عنها في أعلى مستوى داخل الدولة، في بناء مدرسة ذات جودة، منصفة ودامجة.وتتمحور هذه الإطارات المرجعية، التي تتقاطع كذلك مع الهدف المشترك المتمثل في إرساء مدرسة مغربية حديثة وفعالة ومنفتحة على محيطها وقادرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع ورفع تحديات القرن الحادي والعشرين، حول التوجيهات الملكية السامية، والرؤية الاستراتيجية 2030-2015 لإصلاح منظومة التربية والتكوين، والقانون الإطار 51.17، والقانون رقم 30-09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، والنموذج التنموي الجديد، والبرنامج الحكومي 2026-2021، وخارطة الطريق 2026-2022.
تترجم التوجيهات الملكية السامية، التي تمثل الركيزة الأساسية للسياسات التربوية بالمغرب، الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الهادفة إلى إنشاء مدرسة مغربية منصفة ودامجة وفعالة. وقد أكدت هذه التوجيهات السامية، التي ما فتئت تتجدد في الخطب والرسائل الملكية، على المكانة المركزية للتعليم في التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد، كما دعت بإلحاح إلى إصلاح عميق للمنظومة التربوية، قائم على الجودة والابتكار والمسؤولية الجماعية.
وقد شكل خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2015، الذي دشن لمرحلة فارقة في مسار الإصلاح التربوي بالمغرب، مناسبة جدد فيه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، التأكيد على مركزية التعليم في تحقيق التنمية الشاملة، والدعوة إلى إصلاح عميق للمنظومة التربوية بما يضمن الجودة وتكافؤ الفرص وتأهيل المواطن لرفع تحديات المستقبل.
إلى ذلك، يولي جلالته اهتماماً بالغاً للقطاع الرياضي، في اتساق مع فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها جلالته سنة 2005، والتي تُعلي من شأن الرياضة باعتبارها رافعة للاندماج والتلاحم الاجتماعي ومكافحة الإقصاء والتهميش. فالرؤية الملكية تعتبر أن الممارسة الرياضية ليست فحسب حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، بل أيضاً مدرسة حقيقية للوطنية والمواطنة وركيزة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي حداثي.
وقد شكلت الرسالة الملكية السامية الموجهة للمشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة، المنعقدة بالصخيرات يومي 24 و25 أكتوبر 2008، منعطفاً حاسماً بالنسبة للرياضة المغربية، إذ شخصت بدقة اختلالات القطاع، ورسمت الخطوط العريضة لاستراتيجية وطنية متعددة الأبعاد، وأطلقت أوراشاً كبرى للإصلاح وإعادة الهيكلة تتمحور حول ثلاثة ركائز رئيسية، وهي:
- تجويد نظام الحكامة، وملاءمة الإطار المؤسساتي والقانوني مع التطورات، وتأهيل التنظيمات الرياضية للاحترافية.
- تعزيز البنيات التحتية، وتوسيع قاعدة الممارسة الرياضية لتشمل كافة فئات المجتمع.
- تأهيل الكفاءات التقنية والإدارية والنهوض برياضة النخبة لضمان إشعاع الرياضة الوطنية قارياً ودولياً.
اعتبارا لأهمية التعليم في تحقيق التنمية البشرية والمستدامة بالمغرب، أعد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي رؤية استراتيجية طموحة للفترة 2015-2030، تهدف إلى النهوض بمدرسة حديثة ومنصفة وفعّالة. وتطمح هذه المبادرة، التي استندت على مشاورات وطنية واسعة وتقييم معمق للنظام التربوي، إلى ضمان الحق في تعليم ذي جودة للجميع، وتكوين مواطنات ومواطنين قادرين على المساهمة الفعالة في تنمية البلاد وتحقيق الرفاه الجماعي.
يشكل القانون الإطار 51.17 المرجع التشريعي الأساسي الذي يعبئ كافة الفاعلين حول مشروع تربوي وطني متجدد. ويترجم هذا القانون الإطار عزيمة المغرب على تنزيل إصلاح تربوي عميق ومتسق ومستدام، قائم على مبادئ الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع.وقد تم اعتماد هذا القانون الإطار لتفعيل توجهات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، إذ يحدد الأهداف الأساسية والاختيارات المهيكلة وآليات الحكامة اللازمة لتحقيق طفرة في المنظومة التربوية. كما يحدد إطارا للعمل بغية ضمان الحق في التعليم للجميع، وتعزيز فعالية وأداء المؤسسات، وتثمين الموارد البشرية، وتحديث تنظيم وقيادة القطاع.
يجسد القانون رقم 30-09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة التوجيهات السامية الواردة في الرسالة الملكية الموجهة للمشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة لسنة 2008، ويعد هذا القانون، الذي اعتبر ممارسة الرياضة حقا أساسيا للمواطن في خدمة التربية والصحة والإدماج الاجتماعي، حجر الزاوية في الإطار القانوني المتعلق بتنظيم وإعادة هيكلة قطاع الرياضة.
ويهدف هذا القانون إلى ضمان اتساق المنظومة الرياضية الوطنية مع المعايير الدولية، ويرتكز في هيكلته لهذه المنظومة على ثلاثة محاور رئيسية:
- حكامة متجددة: يحدد القانون بدقة اختصاصات الدولة، والجامعات، والعصب، والجمعيات الرياضية.
- تأهيل واحترافية القطاع: يساهم القانون في بروز نموذج اقتصادي فعال، من خلال تأهيل الأندية وتشجيع إحداث الشركات الرياضية وتقنين المهن المرتبطة بالرياضة.
- رياضة دامجة وأخلاقية: يدعم القانون تعميم الممارسة الرياضية، والنهوض بالرياضة النسوية ورياضة المستوى العالي، مع تأمين المحيط الرياضي من خلال تعزيز القيم الأخلاقية ومحاربة المنشطات والعنف.
باعتباره خارطة طريق طموحة في أفق 2035، وضع النموذج التنموي الجديد التعليم في صلب التحول الوطني من خلال اعتباره رافعة مركزية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية للبلاد. وقد دعا هذا النموذج، الذي يطمح إلى إطلاق نهضة تربوية حقيقية، إلى ضمان تعليم ذي جودة وتكافؤ الفرص،وتنمية المهارات الضرورية لرفع التحديات الهيكلية ومواجهة التحولات العميقة التي يشهدها القرن الحادي والعشرين. ويقترح هذا النموذج إصلاحات شمولية تهدف إلى تحديث المنظومة التربوية، وتثمين مهنة التدريس، وتعزيز البنيات التحتية، والنهوض بمدرسة دامجة وفعالة.
يحتل التعليم مكانة مركزية في البرنامج الحكومي للفترة 2021-2026، الذي جعل من بين أهدافه ذات الأولوية ضمان الحق في تعليم ذي جودة للجميع، وتأهيل مواطنات ومواطني الغد لرفع تحديات القرن الحادي والعشرين. ولهذا الغرض، اقترح البرنامج الحكومي تعميم التعليم الأولي، والارتقاء المستمر بجودة التعليم، وتثمين مهنة التدريس، وتعزيز البنيات المدرسية.
نظرا للتحديات الراهنة التي تواجهها المنظومة التربوي، أعدت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة خارطة طريق طموحة، تغطي الفترة 2022-2026 وتهدف إلى النهوض ب "مدرسة عمومية ذات جودة للجميع".
وقد حددت هذه الوثيقة الاستراتيجية، التي تتضمن 12 التزاما موزعة على ثلاثة محاور رئيسية (التلميذ، والأستاذ، والمؤسسة التعليمية)، ثلاثة أهداف استراتيجية، تتمثل في تعزيز الإلمام بالتعلمات الأساس، والنهوض بالولوج إلى الأنشطة الموازية، وتقليص معدلات الهدر المدرسي.