مؤسسات الريادة

تمت بلورة نموذج "مدارس الريادة"، الذي أطلقته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، وفق مقاربة متعددة الأبعاد تشمل المحاور الأساسية لخارطة الطريق هذه، ألا وهي التلميذ والأستاذ والمؤسسة التعليمية. ويشترط لمنح المؤسسات التعليمية هذه العلامة استيفائها لعدة معايير للجودة، تنتظم حول هذه المحاور الثلاث، وتتضمن اعتماد مقاربات تربوية فعّالة، واستفادة الأساتذة من تكوينات إشهادية، والتقييم الموضوعي للتعلمات، والقدرة القيادية لمدير المؤسسة، وتدبير المؤسسة، وتوفير الشروط المادية.

ويطمح هذا النموذج إلى إحداث تحوّل عميق في المؤسسات التعليمية العمومية وضمان مدرسة ذات جودة للجميع، كما يهدف إلى الارتقاء بجودة التعلمات، وتحسين رفاه التلاميذ، وتنمية الكفايات العرضانية، وتقليص الهدر المدرسي.

وقد أبرزت التقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية لتنزيل نموذج "مدارس الريادة" التي تم إطلاقها برسم الموسم الدراسي 2023-2024، التي أشرفت على إنجازها مؤسسات مرموقة (المختبر المغربي للابتكار والتقييم، والهيئة الوطنية للتقييم، والمرصد الوطني للتنمية البشرية، وجمعية سندي)، أن هذا النموذج كان له أثر هام، لا سيما من حيث التطور الملموس للتعلمات، وتحسين أداء المؤسسات التعليمية، وتنشيط الحياة المدرسية، وانخراط الأطراف المعنية (مديرو المؤسسات التعليمية، والأساتذة، والتلاميذ وآباء وأولياء أمورهم).

وبناءً على هذه النتائج المشجعة، شرعت الوزارة، برسم الموسم الدراسي 2024-2025، في التوسعة التدريجية لنطاق تنزيل هذا النموذج على مستوى السلك الابتدائي، بمعدل 2.000 مدرسة إضافية كل سنة، في أفق بلوغ تغطية شاملة بحلول الموسم الدراسي 2027-2028. وبالموازاة مع ذلك، تم إطلاق مرحلة تجريبية لهذا النموذج على مستوى السلك الإعدادي.

وتعد هذه النتائج الملموسة ثمرة اعتماد مقاربة لتنزيل نموذج "مدارس الريادة" ترتكز على عدة محاور مهيكلة، تتجلى لا سيما في تجويد التعلمات الأساسية للتلاميذ (القراءة، والكتابة، والحساب)، واعتماد مقاربات تربوية فعّالة، وتوفير دعم مستمر للتلاميذ المتعثرين، واعتماد منظومة تقييم دقيقة، وتعزيز كفايات الأساتذة، وتقوية انخراط آباء وأولياء التلاميذ، وتحديث التجهيزات والبنيات التحتية المدرسية.

  • تقويم التعثرات التعليمية

    اعتبارا لكون العديد من التلاميذ يعانون من ضعف في مكتسباتهم القبلية في بداية السنة الدراسية، يعتمد نموذج "مدارس الريادة" مرحلة تقويم مكثفة لتدارك نواقص التلاميذ المتعثرين فيما يتعلق بتملك المكتسبات والتعلمات الأساسية.

    ويتم إطلاق هذه العملية التقويمية في بداية الموسم الدراسي (ستة أسابيع بالنسبة للسلك الابتدائي، ومن أربعة إلى ثمانية أسابيع بالنسبة للسلك الإعدادي)، وذلك باعتماد طريقة التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)، التي تمكن من تشخيص التعثرات التعليمية وتقويمها. وهكذا، واستنادًا إلى نتائج الاختبارات الأولية الفردية التي يجتازها التلاميذ بغية تحديد مستوى تعلماتهم الحقيقي، يتم إدماجهم في مجموعات متجانسة حسب مستويات تمكنهم من التعلمات الأساسية، حيث يستفيدون من مسارات تعلمية ملائمة: مسار أساس بالنسبة للتلاميذ المتعثرين، ومسار متوسط بالنسبة للتلاميذ الأعلى أداء، ومسار للتحدي بالنسبة للتلاميذ المتفوقين.

    ويتم تنظيم حصص للاستدراك والدعم المكثف بصفة يومية لفائدة التلاميذ المتعثرين بغية تدارك نواقصهم التعليمية قبل التحاقهم من جديد بمسارهم الدراسي العادي. ولهذا الغرض، تُوفر لهم مجاناً، خلال هذه المرحلة التقويمية، كُتيبات مدرسية متمايزة، تتضمن أنشطة صفية متدرجة حسب مستوى الصعوبة. 

  • اعتماد مقاربات تربوية فعالة

    يؤكد نموذج "مدارس الريادة" على اعتماد مقاربات تعليمية فعالة داخل القسم والتي أثبتت دراسات علمية آثارها الإيجابية على التعلمات، ولاسيما منها مقاربة "التعليم الصريح"، القائمة على مبدأ التدرج في التعلمات، والتي تمكن من تفادي تراكم تعثرات تعليمية جديدة، من خلال الحرص على التأكد من فهم التلاميذ واستيعابهم لأي درس قبل الانتقال إلى الدرس الموالي.

    وتقوم هذه المقاربة على تقديم شروحات واضحة واستدلالات توضيحية وأعمال تطبيقية موجهة، بما يشجع على الانخراط الفعّال للتلاميذ. ولتفعيل هذه المقاربة، يستعين الأساتذة، الذين تم تكوينهم على الممارسات التعليمية الفعّالة، بمحتويات تعليمية خضعت للتجديد والرقمنة، من خلال عرضها في الأقسام الدراسية المزودة بأجهزة العرض.

  • إرساء منظومة لدعم التلاميذ المتعثرين

    بغية الوقاية من الرسوب والهدر المدرسي، يوفر نموذج "مدارس الريادة" للتلاميذ المتعثرين تتبعا منتظما لتعلماتهم ودعمًا تربويا مجانيًا لمساعدتهم على تدارك تعثراتهم.

    كما يتضمن النموذج مواكبة نفسية واجتماعية للتلاميذ المتعثرين من خلال إحداث خلايا لليقظة على مستوى المؤسسات التعليمية، تتولى تحديد التلاميذ الذين يتهددهم خطر الرسوب أو الهدر المدرسي، وذلك لاقتراح الحلول المناسبة لمواكبتهم بغية تجاوز صعوباتهم، وتوفير دعم فردي لهم. 

  • اعتماد منظومة تقييم دقيقة

    لتفادي تراكم التعثرات التعليمية، أرسى نموذج "مدارس الريادة" منظومة تقييم دقيقة بهدف ضمان تتبع فعال ودقيق ومنتظم وموضوعي لمدى تملك التلاميذ لتعلماتهم وتجويدها.

    وهكذا، تقوم هذه المنظومة الفعالة على تقييم فردي لكل واحدة من الكفايات على حدة، وهي القراءة والكتابة والتعبير الشفوي والرياضيات، بالإضافة إلى التفكير النقدي وحل المشكلات.

    علاوة على ذلك، تعتمد هذه المنظومة أدوات تقييم، من قبيل كتيب الكفايات الذي يتيح تتبعا دقيقا ومفصلا لمكتسبات التلاميذ فيما يخص كل كفاية على حدة، إذ تمكن هذه الأداة من توثيق تقييم ليس فحسب الفهم والإنتاج الكتابي، بل أيضًا الفهم والإنتاج الشفوي.

    إلى ذلك، تتميز منظومة التقييم هذه بانتظامها. فبالإضافة إلى التتبع الأسبوعي المبرمج خلال مرحلة التقويم، يتم إخضاع التلاميذ لاختبار في نهاية هذه المرحلة لقياس مدى التقدم الذي أحرزوه فيما يتعلق بتملك التعلمات الأساسية، ليستفيد التلاميذ الذين لم يبلغوا المستوى المطلوب من دروس إضافية تُقدم لهم في مجموعات صغيرة. كما، تُختتم كل فترة من الفترات الخمس، التي تستغرق ستة أسابيع والتي ينتظم حولها الموسم الدراسي، بإنجاز تقييم فردي.

    ولضمان موضوعيتها، تُنجز التقييمات من قِبل مفتشين تربويين، كما تشرف عليها هيئة خارجية. كما يضمن نظام مراقبة عشوائي موضوعية التقييمات ويعكس بدقة مستوى المتعلمين. 

  • تعزيز كفايات الأساتذة

    سعيا إلى تقوية الدور المحوري للأساتذة في هذا الإصلاح التربوي، يتيح لهم نموذج "مدارس الريادة" الاستفادة من تكوين مستمر فعال وعملي بهدف تطوير مهاراتهم التربوية وتجويد الممارسات التربوية الصفية، بالإضافة إلى إمدادهم بأدوات مصممة للارتقاء بفعاليتهم العملية.

    بالإضافة إلى ذلك، يستفيد الأساتذة من مواكبة وتأطير عن قرب بغية تنفيذ التحولات اللازمة، خاصة من خلال تعزيز تواجد المفتش التربوي من خلال قيامه بزيارات أسبوعية لكل مؤسسة تعليمية للسهر على التنزيل الأمثل والمتناغم لهذا النموذج. 

  • تعزيز انخراط آباء وأولياء أمور التلاميذ

    لضمان استدامة النتائج المشجعة المحققة، يحث نموذج "مدارس الريادة" على إشراك آباء وأولياء أمور التلاميذ في تتبع تقدم المسارات والنتائج الدراسية لأطفالهم، وذلك من خلال عقد اجتماعات دورية مع الأسر على مدار الموسم الدراسي. كما يُرسي النموذج إشراك آباء وأولياء أمور التلاميذ في تدبير المؤسسات التعليمية، وعلى الخصوص في بلورة وتنفيذ "مشروع المؤسسة المندمج".

  • تحديث التجهيزات والبنيات التحتية المدرسية

    بغية خلق بيئة تعليمية أكثر ملاءمة وتحسين ظروف عمل الفرق التربوية والإدارية داخل المؤسسات التعليمية، يتضمن نموذج "مدارس الريادة" إعادة تأهيل الفضاءات المدرسية لجعلها أكثر جاذبية.

    كما يتم، من خلال تفعيل "مشروع المؤسسة المندمج"، إيلاء عناية خاصة بتهيئة الظروف المواتية لتنزيل نموذج "مدارس الريادة" من خلال إمداد الأساتذة والفرق التربوية بحواسيب، وتزويد الأقسام الدراسية بأجهزة العرض، وتوفير الدعائم الرقمية والعتاد الديداكتيكي اللازم.